محمد متولي الشعراوي
2858
تفسير الشعراوى
بأن الإسلام قد جاء ناسخا وخاتما . والبرهان هو تعاليم هذا الدين وأدلته ، فلا حجة لأحد أن يتمسك بشئ مما كان عليه . وجاء محمد بالنور الذي يهدى الإنسان إلى سواء السبيل ، وهذه تصفية عقدية شاملة ، أو كما نقول بالعامية « أو كازيون إيماني » تتخلص به البشرية من كل ما يشوب عقائدها ، ولتبدأ مرحلة جديدة . « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ » والحق هو الشئ الثابت الذي لا يتغير مهما تغيرت عليه الظروف ؛ لأن الحق صدق له لون واحد ، فإذا ما رأيتم جميعا حادثة واحدة ، ثم جاء كل واحد منكم فأخبر بها إخبار صدق فلن تختلف رواية الحادثة من واحد لآخر . أما إن سولت نفس بعض الناس لهم أن يتزيدوا في الحادثة فكل واحد سيحكى الحادثة على لون مختلف عن بقية الألوان ، وقد يسافر خيال أحدهم في شطحة الكذب ويسترسل فيه . إذن فالذي لا يتغير في الحق هو أن يحكوا جميعا الرواية الواحدة بصدق ولو كانوا ملايين الناس ، لكن إن سولت نفوس بعضهم الكذب وحسنته له وأغرته به لاختلفت الرواية ؛ لأن الكذب مشاع أوهام ولا حقيقة له . والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا : لقد جاءكم الرسول بالحق مهما تغيرت الظروف والأحوال ، ومهما جئتم إليه من أي لون ، سواء في العقديات أو في العباديات أو في الأخلاق أو في السلوك . وستجدون كل شئ ثابتا لأنّه الحق . ويضرب الحق سبحانه وتعالى لنا مثلا في هذا الحق : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ( من الآية 17 سورة الرعد ) كل واد يأخذ ماء على قدر حجمه ، وساعة ينزل السيل من الجبال يحمل معه التراب والقش والأشياء التي لا لزوم لها ، وهو ما نسميه « الريم » وهو الزّبد الرابى . وكذلك الحديد أو النحاس أو الذهب الذي نصنع منه الحلى أو أدوات المتاع ، وعندما نضع هذه المعادن في النار ، نجد الزّبد يفور على سطح هذه المعادن